random
أخبار ساخنة

حرب البسوس أشهر حروب العرب

 حرب البسوس أشهر حروب العرب

حرب البسوس أشهر حروب العرب نبذة عن حياة العرب قبل هذه الحرب:-  كان العرب قديماً قبائل متفرقة وينقسمون إلى فئتين من الناس فئة السادة وفئة العبيد وعلى الرغم من أن السادة كانت لهم سطوتهم وعنتريتهم إلا أنه كان من الممكن أن يعترض أحد العبيد على رأي أحد السادة في أي مجلس وكذلك كانوا يأكلون في جلسة واحدة لا يعرفون نظام التدرج فى المقامات مثل الذي كان سائداً في مصر والتي كانت دولة بكل تفاصيل الكلمة لها جيش وحدود ونظام حكم يُسير للناس أمور حياتهم ، وكذلك بلاد الهند والمملكة الحِمْيَرية والكِندية ،   وعلى تلك الدول والممالك المستقلة كانت تعتمد العرب في شراء كل ما يحتاجونه من أقمشة ومتاع وحُلي لزينة النساء والسيوف والدروع للمحاربين الرجال مقابل أصواف الماشية وجلودها والقطع الذهبية نتاج غزواتهم ، وظل العرب هكذا طوال حياتهم في البادية لا يعرفون النظام ولا ينتمون لأي ملك بل لكل قبيلة زعيم وكل هذه القبائل تدفع الجزية كل عام للممالك القريبة منهم حتى لا تنقلب هذه الممالك عليهم .        مقدمات وأطراف الحرب :-  كان ربيعة بن نزار هو الأصل لكثير من القبائل منها تغلب و بكر وكانت كل قبيلة تتنافس على الزعامة والهيمنة على الآخرى ولكن دون قتالٍ أو سفك دماء بل على العكس كانتا تحت لواءٍ واحد تجمعهم الكثير من روابط المحبة والمُصاهرة والصداقة ، وكان لقبيلة بكر فرع بنى ذهل بن ثعلبة و زعيمهم مرة بن ذهل ، وفرعٌ آخر كان يزعمه الحارث بن عباد  ، أما عن قبيلة تغلب فكان زعيمها وائل بن ربيعة وأخيه أبا ليلى الزير سالم (المهلهل ) ، وسوف نتحدث عن كل شخصية بالتفصيل .  الشخصيات :- - الزير سالم يُعد هو بطل هذه الملحمة وهو شاعرٌ فحل وفارس لا يُشق له غبار ، كان رجلٌ يعشق الخمر والنساء- ولهذا أطلقوا عليه الزير -ولا يفارق الحانات ، يلهو ويمرح مثل المراهقين وفى الحرب تجده أبو الفوارس مجندل الأبطال ، كان له صديقه المقرب و زوج أخته ضِبَاع هو همام بن مرة وكانا لا يفترقان أبداً في اللهو والحرب والصيد، تزوج الكثير من النساء ولم يُنجب من البنين أحد ولكن أنجب بنتاً أسموها ليلى هذه الليلى تزوجت وأنجبت عمرو بن كلثوم شاعر المعلقات المعروف ، وكان الزير شديد الحب لأخيه وائل ولا يقبل عليه أن يمسه سوء .   - وائل بن ربيعة زعيم تغلب وملكها ، كان رجلاً يعيش في البادية ولكن يحمل طباع الملوك من الحكمة والفخر والعزة اللذان يمكن أن يصلا به إلى حد الغرور ،والفروسية النادرة فقد كان لا ينهض من مكانه إلا إذا هاجمه عشرة فرسان ، لا يتبذل أبداً مثل باقي الرجال ،شديد الصرامة ودائم الخلاف مع الزير بسبب مجونه ولهوه ، كان دائماً يتطلع بأن يُقيم مملكة لها جيش نظامي وحدود مثل باقي الممالك المحيطة بهم ويمضي الكثير من وقته يستطلع أخبار تلك الممالك من التجار المسافرون ويسألهم عن أنظمة الحكم والجيوش ، قام بخطبة ابنة عمه الجليلة بنت مُرة وخاض من أجلها حرباً مع ملك اليمن الملك التُبَع حسان اليماني وتزوجها بعد هذه الحرب وتُوِجَ ملكاً بعدها على بكر وتغلب .   -مرة بن ذهل هو رجل كبير السن أباً لعشرة من الرجال وامرأة  منهم جساس بن مرة و همام بن مرة وله من البنات الجليلة بنت مرة .   -جساس بن مرة رجلٌ شديد الإعتزاز بنفسه لكنه سريع الغضب ، لا يُعد فارساً مغواراً ولكنه ليس جباناً .   - همام بن مرة فارساً شديد البأس وهو أكبر أبناء مرة بن ذهل والصديق المقرب للمهلهل .   -الجليلة بنت مرة هى فتاة في العشرين من عمرها لا مثيل لها بين فتيات العرب ، كالبدر فى تمامه والنسيم فى سلامه ، شعرها ليلٌ تتوه فيه الخيل ، وجهها صباح وعيناها أقاح ترميان الطير من أعالي السماء وابتسامتها تشف عن لآلئ لا يشف عنها في البحر الماء   ، قويمة القد والإعتدال لا تنطق إلا بحكمة ولا تسمع إلا همساً ،   لا تستحق أن تكون لرجلاً إلا وائل بن ربيعة هو من يستحقها حقاً ولذلك قام بخطبتها رغم فارق السن بينهما .   - الحارث ابن عباد زعيم بكر وملكها ، رجلاً لا مثيل له في القتال ولا يوجد من يقدر على منازلته فى كل قبائل العرب آنذاك ، عنده من الحكمة والرصانة ما يُأهله أن يصبح ملك إمبراطورية عظيمة ولكنه لا يسعى لملك ، يملك فرسةً أصيلةً ذاع صيتها بين العرب تُدعى النعامة فلا يستطيع أحد مسابقة النعامة خاصتاً وإن كان الحارث بن عباد على ظهرها ، كان الحارث عقيماً لا ينجب فقام بتبني غلاماً يدعى جُبَير .   - البسوس وهى المرأة التى أشعلت فتيل الحرب و سُميت الحرب باسمها ، ومن اسمائها أيضاً هايلة وسعاد ، هى خالة الجليلة وجساس وهمام أبناء مرة بن ذهل ، كانت امرة متغطرسة لها أذرع مثل أذرع الأخطبوط تريد أن تلتحف السماء بهم ، شديدة الدهاء والمكر .    تتويج وائلٌ بن ربيعة ملكاَ:-     كانت البسوس تعمل في التجارة بين شبه جزيرة العرب ومملكة اليمن وكان لها الكثير من العلاقات التي تربطها برجال المملكة في اليمن مثل الوزير نبهان وزير الملك حسان التُبَع الذي كانت تنصب له الشباك كي يتزوجها ويتسنى لها السيطرة على مملكة اليمن فهى تعرف أن الملك حسان لن ينظر إليها فنظرت هى لمن دونه ، وبالفعل نجحت فى إستمالة الوزير نبهان إليها واستطاعت الدخول إلى قصر الملك وإغرائه بإبنة أختها الجليلة بنت مُرة الفتاة الحسناء الهيفاء وأقنعته بأن يرسل وزيره في طلب يدها وسبقته هى لتمهد الطريق للوزير نبهان ،   وعندما جائت بني بكر أخذت تلاحق الجليلة كما يلاحق الذئب فريسته وتقنعها بشتى الطرق بأن تقبل الزواج من الملك حسان ولكن الجليلة وأبوها وجميع إخوتها كانوا على رفضٍ شديد من هذه الزيجة فقد رأوا في طلب الملك حسان الذل والمهانة فهو يرسل ليسبي إبنتهم لا ليتزوجها فهم غير قادرين على الوقوف أمام طلبه بالرفض أو بالموافقة ،لأنهم إن رفضوا قاتلهم اليمنيون وقضوا عليهم وإن قبلوا عايرتهم العرب طوال حياتهم واشتعلت الأحداث بعد أن علم وائل بطلب الملك حسان لزواجه من خطيبته وحبيبته بهذه الطريقة ، ففكر في حيلة يستطيع بها التخلص من الملك حسان دون حرب ،     فتفق مع مرة بن ذهل أن يوافق على طلب الملك ويرسل الجليلة مع الوزير نبهان ومعها جهاز العُرس المكون من عدد كبير من الصناديق الكبيرة تحملها الإبل وتَنَكر وائل في ملابس مُهرج الأميرة ليسافر معها دون أن يدري أحد بأنه وائل وتنكر جساس في هيئة الخَصِي الذي يلازم الأميرة وعند إقتراب وصول العروس بجهازها إلى المملكة تتحايل الجليلة على الملك بأن تبقى خارج المدينة ليلةٌ واحدة وتدخل في وضح النهار حتى يراها أهل المدينة ويعرفوا جمالها ،     وفي الليل المظلم يتسلل فرسان بكر وتغلب ويدخلوا داخل الصناديق وبهذا تسنى لهم دخول القصر دون أن يحس بهم أحد وفي الداخل قام وائل بقتل الملك التُبع اليماني والفرسان بقتل حاشية الملك وعادوا بالجليلة سالمة ، وبعد هذا قامت قبيلة بكر وتغلب ومُضَر وغيرهم بمُبَايعة وائلُ بن ربيعة ملكاً عليهم وأطلق وائل على نفسه اسم كُليب ، وتزوج من الجليلة في عرسٍ شهدته العرب كلها.    خيبة أمل البسوس ومكرها :-    وبهذا تحطمت أحلام البسوس وكل ما كانت تأمل إليه وملئ الغيظ قلبها واعتصر فؤادها غضباً وعزمت على الإنتقام من كل من ساهم في خيبة أملها ، فجهزت ركابها وامتطت ناقتها سَرَاب التي كانت ناقة لا مثيل لها بين الإبل وذهبت إلى بني بكر تبحث عن فكرة شيطانية تُشفي بها غليلها .  وبعد أن أصبح وائل ملكاً أراد أن يصنع مملكة نظامية فقام بتجهيز جيش وأمر بتدريبه وصنع الحدود لتلك المملكة ووضع القوانين التي تمنع الصيد والرعي واستخدام الماء إلا في أضيق الحدود وعزل نفسه في قصرٍ عن الجميع لا يستطيع أحد مقابلته أو التحدث إليه إلا بصعوبة بالغة والكثير من الأمور التي ضاقت بها رعيته ، فهم حديثوعهدٍ بالتحضر ولا يستطيعون الإلتزام بكل هذه القوانين دفعةً واحدة وهذا مالم يدركه وائل ، ولما وصلت البسوس بني بكر ذهبت لزيارة بنت أختها فى قصرها وتعمدت أن تترك ناقتها سراب ترعى فى حديقة قصر الملك رغم علمها برفضه لذلك ،     فلما رأى وائل ناقة غريبة ترعى في قصره أصابها بسهمٍ فقتلها على الفور ، خرجت الجليلة فوجدت ناقتها تغرق بدمائها فولولت ولطمت خديها وظلت طوال الطريق إلى بيت مرة بن ذهل على هذه الحالة فاجتمع حولها الجميع ليعلم ماذا جرى ومنهم ابن أختها جساس الذي ما إن علم بما جرى لخالته حتى قرر قتل جمل كليب المُسمى عَللال وهو جمل أصيل لا يقل عن ناقة البسوس سَرَاب في شئ ، ولما علم وائل تهديد جساس بقتل عللال قام بوضع حراسة عليه واعتبر المساس بعللال مساساً بكرامته ، فصرف جساس نظره عن قتل علال وقرر قتل وائل نفسه فقد ضاق بهم ذرعاً مايفعله لهم من استهانة وبَغى ، تربص جساس لوائل وعندما رآه يسير وحده رماه بحربةٍ في ظهره وفر هارباً فوقع وائلٌ من على حصانه  يتخبط في دمائه واستند على حائط وكتب عليه بدمائه وصيته لأخيه سالم الزير.       وبعد أن انتهى من كتابة وصيته خر صريعاً ،  وصل جساس إلى دياره و أعلم أباه أنه قتل وائل وقال جملته الشهيره "أنا لم أقتل كليب بل قتله بَغْيَه" وأخذ حصانه ورحل عن الديار وماهى إلا دقائق وانتشرالخبر بين أرجاء القبائل ، وفي تلك اللحظات كانت هناك جلسة سمر بين الصديقين سالم الزير وهمام بن مره وما إن وصل الخبر إلى   الزير حتى أقسم أمام همام بأن يقضي على بكر كلها مهما كلفه الأمر وطلب من همام أن يقف معه للأخذ بثأره فقال له همام لن أقف معك لقتال أهلي وقدرنا أن نتقاتل بعد كل هذا العمر من الود والصداقة وتعانقا وركب الزير جواده وانطلق إلى دياره ،     حاول الكثير من رجال العرب إطفاء فتيل هذه الحرب قبل أن تشتعل ومنهم الحارث ابن عباد ولكن دون جدوى فقد عُميت عيني الزير ولم يرى إلا ثأر أخيه وهو أن يقتل جميع أهل بكر رجالاً ونساءً وأطفالا ، وعندما أرادوا أن يضعوا ديةً مقابل وائل سألوا اليمامة ابنة كليب ماذا تريدين فردت "أريد أبي حياً" و ردد الزير هذه المقولة بعد اليمامة أريد أخي كليباً حياً ،  وطلب الزير من الحارث أن يقف معه في هذه الحرب فرد عليه الحارث بأنه سيعتزل هذه الحرب وقال مقولته التي هى مثل يتداوله الناس إلى الآن " هذه الحرب التي يُقتل فيها ملكٌ من أجل ناقة هى سراب ناقة البسوس بينما تستنفر القبائل كلها من أجل جمل هو عللال جمل كليب هذه حربٌ قذرة لا ناقة لي فيها ولا جمل "  وانطلق إلى بيته معتزلاً هذه الحرب .    حرب البسوس :-    أشعلت البسوس فتيل الحرب ونفخ جساس في نارها ورمى الزير بحطب وقودها فاشتعلت وحمى وطيسها ، وانتظمت غارات التغلبيون على البكريين أعواماً وأعواما فقُتل فيها أبناء مرة بن ذهل كلهم وقُتل جساس على يد الجرو بن كليب وائل إلى أن كادت أن تفنى بكر، بعدها قرر الحارث ابن عباد وقف هذه الحرب مهما كلفه الأمر فأرسل ابنه جُبير برسالة مكتوبة إلى الزير سالم ولم يكن جبير يعلم ماهو نص الرسالة الذي هو كالآتي :-   " بعد السلام اعلم يا سالم أنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثأرك بما قتلت من بكر وقد أرسلت ابني إليك فإما أطلقته وأصلحت ذات البين ، فقد مضى من الحيين فى هذه الحروب من كان بقائه خيرًا أ لنا ولكم وإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين ، والختام سلام "  فلما وصل جبير إلى الزير برسالة أبيه وقرئها عليه اشتعل الزير غضباً وقال له أنت أيها الصعلوك تقتل بأخي كليب ،فرد عليه جبير أنا لست صعلوكاً يا سالم أنا جبير بن الحارث بن عباد ، فقال له الزير من خالك يا غلام؟ -يريد بسؤاله أن يقول له أنك ابن الحارث بالتبني وليس من صُلبه - فلم يرد عليه جبير فقام الزير بإشهار سيفه يريد قتله فأوقفه امرؤ القيس بن أبان وهو يقول لا تقتله يا سالم إني أرى أمامي غلاماً إذا قُتل ليُقتلن به رجلاً لا يُسأل من خاله ولكن الزير دفع امرؤ القيس وقتل جبير وهو يقول أقتلك بشِسْع نعل كليب وغرس سيفه فى صدر جبير فوقع صريعاً على الفور ،   وعندما وصلت جثته إلى الحارث وعلم أن الزير قتل ابنه بشسع نعل كليب أقسم ألا يرفع يده عن تغلب حتى تكلمه الأرض وأنشد في رثائه قصيدته التي أُشتهر منها أربعين بيت "قربا مربط النعامة مني "       ومن هنا وبعد اعتزال الحارث هذه الحرب كل تلك السنين أُجبر أن يدخلها وتحالف معه بنو مرة ورجحت كفتهم بعد دخول الحارث ساحة القتال ومُزقت تغلب كل مُمَزَق ولم يتبق منهم إلا القليل من الرجال والنساء ، وكُسر ظهر الزير سالم على يد الحارث بن عباد وبهذا انتهت حرب البسوس التي امددت أربعين عاماً ، بعدها عُقدت معاهدة صلح بين تغلب وبكر وظلا هكذا دون حرب .  مقتل الزير :-   كُسِرَ ظهر الزير وكان يمشي يتوكأ على عصا بعد أن عاش فارساً شديد البأس ، فقام ابن أخيه الجرو بتكليف اثنين من العبيد بمرافقته وقضاء حوائجه فى خلوته بجوار قبر كليب ولكن أصاب العبدين الملل منه فاتفقا أن يقتلوه ويبلغوا الجرو أن الزير لدغته أفعى فمات على إثرها ، فأحس سالم الزير بما عزما عليه العبدين فقال لهما قبل أن تقتُلاني أبلغا أهلي هذا البيت " من مُبلغ الحيين أن مهلهلاً ..لله دركما ودر أبيكما "   بعدها قام أحدهما وطعنه بخنجر مات على غراره ، وذهبا إلى الملك الجرو يخبرانه أن الزير مات بسم أفعى وهو ينشد هذا البيت     " من مُبلغ الحيين أن مهلهلاً ..لله دركما ودر أبيكما "   فلم يفهم الجرو معناً واضحاً للبيت وتعجب لأن الزير كان شاعراً عظيماً لا يقول مثل هذا الكلام الخاوي ، وبينما هو حائراً إذ قامت أخته اليمامة بروعة جنانها وفصاحة شاعرة تُنشد :-  " من مُبلغ الحيين أن مهلهلاً ..أضحى قتيلاً فى الفلاة مُجندلا   لله دركما ودر أبيكما ..لا يبرح العبدان حتى يُقتلا "  فقال الجرو الزير لا يقول الشعر الركيك الذي قُلتماه وأمر بالقبض عليهما وقتلهما .     وهنا تنتهي أحداث حرب البسوس ،  بعدها كانت تتجهز قبائل العرب وتتحالف لمواجهة جيش أبرهة الأشرم الحبشي الذي جاء بجيشه ليهدم الكعبة في الواقعة الشهيرة بواقعة الفيل .

نبذة عن حياة العرب قبل حرب البسوس


كانت العرب قديماً قبائل متفرقة وينقسمون إلى فئتين من الناس فئة السادة وفئة العبيد وعلى الرغم من أن السادة كانت لهم سطوتهم وعنتريتهم إلا أنه كان من الممكن أن يعترض أحد العبيد على رأي أحد السادة في أي مجلس وكذلك كانوا يأكلون في جلسة واحدة لا يعرفون نظام التدرج فى المقامات مثل الذي كان سائداً في مصر والتي كانت دولة بكل تفاصيل الكلمة لها جيش وحدود ونظام حكم يُسير للناس أمور حياتهم ، وكذلك بلاد الهند والمملكة الحِمْيَرية والكِندية ، 
وعلى تلك الدول والممالك المستقلة كانت تعتمد العرب في شراء كل ما يحتاجونه من أقمشة ومتاع وحُلي لزينة النساء والسيوف والدروع للمحاربين الرجال مقابل أصواف الماشية وجلودها والقطع الذهبية نتاج غزواتهم ، وظل العرب هكذا طوال حياتهم في البادية لا يعرفون النظام ولا ينتمون لأي ملك بل لكل قبيلة زعيم وكل هذه القبائل تدفع الجزية كل عام للممالك القريبة منهم حتى لا تنقلب هذه الممالك عليهم .

مقدمات وأطراف حرب البسوس 

كان ربيعة بن نزار هو الأصل لكثير من القبائل العربية  منها تغلب و بكر وكانت كل قبيلة تتنافس على الزعامة والهيمنة على الآخرى ولكن دون قتالٍ أو سفك دماء بل على العكس كانتا تحت لواءٍ واحد تجمعهم الكثير من روابط المحبة والمُصاهرة والصداقة ، وكان لقبيلة بكر فرع بنى ذهل بن ثعلبة و زعيمهم مرة بن ذهل ، وفرعٌ آخر كان يزعمه الحارث بن عباد  ، أما عن قبيلة تغلب فكان زعيمها وائل بن ربيعة وأخيه أبا ليلى الزير سالم (المهلهل ) ، وسوف نتحدث عن كل شخصية بالتفصيل .

أبرز شخصيات حرب البسوس 

- الزير سالم يُعد هو بطل هذه الملحمة وهو شاعرٌ فحل وفارس لا يُشق له غبار ، كان رجلٌ يعشق الخمر والنساء- ولهذا أطلقوا عليه الزير -ولا يفارق الحانات ، يلهو ويمرح مثل المراهقين وفى الحرب تجده أبو الفوارس مجندل الأبطال ، كان له صديقه المقرب و زوج أخته ضِبَاع هو همام بن مرة وكانا لا يفترقان أبداً في اللهو والحرب والصيد، تزوج الكثير من النساء ولم يُنجب من البنين أحد ولكن أنجب بنتاً أسموها ليلى هذه الليلى تزوجت وأنجبت عمرو بن كلثوم شاعر المعلقات المعروف ، وكان الزير شديد الحب لأخيه وائل ولا يقبل عليه أن يمسه سوء .
- وائل بن ربيعة زعيم تغلب وملكها ، كان رجلاً يعيش في البادية ولكن يحمل طباع الملوك من الحكمة والفخر والعزة اللذان يمكن أن يصلا به إلى حد الغرور ،والفروسية النادرة فقد كان لا ينهض من مكانه إلا إذا هاجمه عشرة فرسان ، لا يتبذل أبداً مثل باقي الرجال ،شديد الصرامة ودائم الخلاف مع الزير بسبب مجونه ولهوه ، كان دائماً يتطلع بأن يُقيم مملكة لها جيش نظامي وحدود مثل باقي الممالك المحيطة بهم ويمضي الكثير من وقته يستطلع أخبار تلك الممالك من التجار المسافرون ويسألهم عن أنظمة الحكم والجيوش ، قام بخطبة ابنة عمه الجليلة بنت مُرة وخاض من أجلها حرباً مع ملك اليمن الملك التُبَع حسان اليماني وتزوجها بعد هذه الحرب وتُوِجَ ملكاً بعدها على بكر وتغلب .
-مرة بن ذهل هو رجل كبير السن أباً لعشرة من الرجال وامرأة  منهم جساس بن مرة و همام بن مرة وله من البنات الجليلة بنت مرة .
-جساس بن مرة رجلٌ شديد الإعتزاز بنفسه لكنه سريع الغضب ، لا يُعد فارساً مغواراً ولكنه ليس جباناً .
- همام بن مرة فارساً شديد البأس وهو أكبر أبناء مرة بن ذهل والصديق المقرب للمهلهل .
-الجليلة بنت مرة هى فتاة في العشرين من عمرها لا مثيل لها بين فتيات العرب ، كالبدر فى تمامه والنسيم فى سلامه ، شعرها ليلٌ تتوه فيه الخيل ، وجهها صباح وعيناها أقاح ترميان الطير من أعالي السماء وابتسامتها تشف عن لآلئ لا يشف عنها في البحر الماء 
، قويمة القد والإعتدال لا تنطق إلا بحكمة ولا تسمع إلا همساً ، 
لا تستحق أن تكون لرجلاً إلا وائل بن ربيعة هو من يستحقها حقاً ولذلك قام بخطبتها رغم فارق السن بينهما .
- الحارث ابن عباد زعيم بكر وملكها ، رجلاً لا مثيل له في القتال ولا يوجد من يقدر على منازلته فى كل قبائل العرب آنذاك ، عنده من الحكمة والرصانة ما يُأهله أن يصبح ملك إمبراطورية عظيمة ولكنه لا يسعى لملك ، يملك فرسةً أصيلةً ذاع صيتها بين العرب تُدعى النعامة فلا يستطيع أحد مسابقة النعامة خاصتاً وإن كان الحارث بن عباد على ظهرها ، كان الحارث عقيماً لا ينجب فقام بتبني غلاماً يدعى جُبَير .
البسوس وهى المرأة التى أشعلت فتيل الحرب و سُميت الحرب باسمها ، ومن اسمائها أيضاً هايلة وسعاد ، هى خالة الجليلة وجساس وهمام أبناء مرة بن ذهل ، كانت امرة متغطرسة لها أذرع مثل أذرع الأخطبوط تريد أن تلتحف السماء بهم ، شديدة الدهاء والمكر .
اقرأ في : أعظم قادة في التاريخ العسكري

تتويج وائلٌ بن ربيعة ملكاَ

كانت البسوس تعمل في التجارة بين شبه جزيرة العرب ومملكة اليمن وكان لها الكثير من العلاقات التي تربطها برجال المملكة في اليمن مثل الوزير نبهان وزير الملك حسان التُبَع الذي كانت تنصب له الشباك كي يتزوجها ويتسنى لها السيطرة على مملكة اليمن فهى تعرف أن الملك حسان لن ينظر إليها فنظرت هى لمن دونه ، وبالفعل نجحت فى إستمالة الوزير نبهان إليها واستطاعت الدخول إلى قصر الملك وإغرائه بإبنة أختها الجليلة بنت مُرة الفتاة الحسناء الهيفاء وأقنعته بأن يرسل وزيره في طلب يدها وسبقته هى لتمهد الطريق للوزير نبهان ، 

وعندما جائت بني بكر أخذت تلاحق الجليلة كما يلاحق الذئب فريسته وتقنعها بشتى الطرق بأن تقبل الزواج من الملك حسان ولكن الجليلة وأبوها وجميع إخوتها كانوا على رفضٍ شديد من هذه الزيجة فقد رأوا في طلب الملك حسان الذل والمهانة فهو يرسل ليسبي إبنتهم لا ليتزوجها فهم غير قادرين على الوقوف أمام طلبه بالرفض أو بالموافقة ،لأنهم إن رفضوا قاتلهم اليمنيون وقضوا عليهم وإن قبلوا عايرتهم العرب طوال حياتهم واشتعلت الأحداث بعد أن علم وائل بطلب الملك حسان لزواجه من خطيبته وحبيبته بهذه الطريقة ، ففكر في حيلة يستطيع بها التخلص من الملك حسان دون حرب ،
 فتفق مع مرة بن ذهل أن يوافق على طلب الملك ويرسل الجليلة مع الوزير نبهان ومعها جهاز العُرس المكون من عدد كبير من الصناديق الكبيرة تحملها الإبل وتَنَكر وائل في ملابس مُهرج الأميرة ليسافر معها دون أن يدري أحد بأنه وائل وتنكر جساس في هيئة الخَصِي الذي يلازم الأميرة وعند إقتراب وصول العروس بجهازها إلى المملكة تتحايل الجليلة على الملك بأن تبقى خارج المدينة ليلةٌ واحدة وتدخل في وضح النهار حتى يراها أهل المدينة ويعرفوا جمالها ، 
وفي الليل المظلم يتسلل فرسان بكر وتغلب ويدخلوا داخل الصناديق وبهذا تسنى لهم دخول القصر دون أن يحس بهم أحد وفي الداخل قام وائل بقتل الملك التُبع اليماني والفرسان بقتل حاشية الملك وعادوا بالجليلة سالمة ، وبعد هذا قامت قبيلة بكر وتغلب ومُضَر وغيرهم بمُبَايعة وائلُ بن ربيعة ملكاً عليهم وأطلق وائل على نفسه اسم كُليب ، وتزوج من الجليلة في عرسٍ شهدته العرب كلها.

خيبة أمل البسوس ومكرها 

وبهذا تحطمت أحلام البسوس وكل ما كانت تأمل إليه وملئ الغيظ قلبها واعتصر فؤادها غضباً وعزمت على الإنتقام من كل من ساهم في خيبة أملها ، فجهزت ركابها وامتطت ناقتها سَرَاب التي كانت ناقة لا مثيل لها بين الإبل وذهبت إلى بني بكر تبحث عن فكرة شيطانية تُشفي بها غليلها .

وبعد أن أصبح وائل ملكاً أراد أن يصنع مملكة نظامية فقام بتجهيز جيش وأمر بتدريبه وصنع الحدود لتلك المملكة ووضع القوانين التي تمنع الصيد والرعي واستخدام الماء إلا في أضيق الحدود وعزل نفسه في قصرٍ عن الجميع لا يستطيع أحد مقابلته أو التحدث إليه إلا بصعوبة بالغة والكثير من الأمور التي ضاقت بها رعيته ، فهم حديثوعهدٍ بالتحضر ولا يستطيعون الإلتزام بكل هذه القوانين دفعةً واحدة وهذا مالم يدركه وائل ، ولما وصلت البسوس بني بكر ذهبت لزيارة بنت أختها فى قصرها وتعمدت أن تترك ناقتها سراب ترعى فى حديقة قصر الملك رغم علمها برفضه لذلك ، 
فلما رأى وائل ناقة غريبة ترعى في قصره أصابها بسهمٍ فقتلها على الفور ، خرجت الجليلة فوجدت ناقتها تغرق بدمائها فولولت ولطمت خديها وظلت طوال الطريق إلى بيت مرة بن ذهل على هذه الحالة فاجتمع حولها الجميع ليعلم ماذا جرى ومنهم ابن أختها جساس الذي ما إن علم بما جرى لخالته حتى قرر قتل جمل كليب المُسمى عَللال وهو جمل أصيل لا يقل عن ناقة البسوس سَرَاب في شئ ، ولما علم وائل تهديد جساس بقتل عللال قام بوضع حراسة عليه واعتبر المساس بعللال مساساً بكرامته ، فصرف جساس نظره عن قتل علال وقرر قتل وائل نفسه فقد ضاق بهم ذرعاً مايفعله لهم من استهانة وبَغى ، تربص جساس لوائل وعندما رآه يسير وحده رماه بحربةٍ في ظهره وفر هارباً فوقع وائلٌ من على حصانه  يتخبط في دمائه واستند على حائط وكتب عليه بدمائه وصيته لأخيه سالم الزير.
وبعد أن انتهى من كتابة وصيته خر صريعاً ،  وصل جساس إلى دياره و أعلم أباه أنه قتل وائل وقال جملته الشهيره "أنا لم أقتل كليب بل قتله بَغْيَه" وأخذ حصانه ورحل عن الديار وماهى إلا دقائق وانتشرالخبر بين أرجاء القبائل ، وفي تلك اللحظات كانت هناك جلسة سمر بين الصديقين سالم الزير وهمام بن مره وما إن وصل الخبر إلى 
الزير حتى أقسم أمام همام بأن يقضي على بكر كلها مهما كلفه الأمر وطلب من همام أن يقف معه للأخذ بثأره فقال له همام لن أقف معك لقتال أهلي وقدرنا أن نتقاتل بعد كل هذا العمر من الود والصداقة وتعانقا وركب الزير جواده وانطلق إلى دياره ، 
حاول الكثير من رجال العرب إطفاء فتيل هذه الحرب قبل أن تشتعل ومنهم الحارث ابن عباد ولكن دون جدوى فقد عُميت عيني الزير ولم يرى إلا ثأر أخيه وهو أن يقتل جميع أهل بكر رجالاً ونساءً وأطفالا ، وعندما أرادوا أن يضعوا ديةً مقابل وائل سألوا اليمامة ابنة كليب ماذا تريدين فردت "أريد أبي حياً" و ردد الزير هذه المقولة بعد اليمامة أريد أخي كليباً حياً ،  وطلب الزير من الحارث أن يقف معه في هذه الحرب فرد عليه الحارث بأنه سيعتزل هذه الحرب وقال مقولته التي هى مثل يتداوله الناس إلى الآن " هذه الحرب التي يُقتل فيها ملكٌ من أجل ناقة هى سراب ناقة البسوس بينما تستنفر القبائل كلها من أجل جمل هو عللال جمل كليب هذه حربٌ قذرة لا ناقة لي فيها ولا جمل "
وانطلق إلى بيته معتزلاً هذه الحرب .
حرب البسوس 

أشعلت البسوس فتيل الحرب ونفخ جساس في نارها ورمى الزير بحطب وقودها فاشتعلت وحمى وطيسها ، وانتظمت غارات التغلبيون على البكريين أعواماً وأعواما فقُتل فيها أبناء مرة بن ذهل كلهم وقُتل جساس على يد الجرو بن كليب وائل إلى أن كادت أن تفنى بكر، بعدها قرر الحارث ابن عباد وقف هذه الحرب مهما كلفه الأمر فأرسل ابنه جُبير برسالة مكتوبة إلى الزير سالم ولم يكن جبير يعلم ماهو نص الرسالة الذي هو كالآتي :- 
" بعد السلام اعلم يا سالم أنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثأرك بما قتلت من بكر وقد أرسلت ابني إليك فإما أطلقته وأصلحت ذات البين ، فقد مضى من الحيين فى هذه الحروب من كان بقائه خيرًا أ لنا ولكم وإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين ، والختام سلام "
فلما وصل جبير إلى الزير برسالة أبيه وقرئها عليه اشتعل الزير غضباً وقال له أنت أيها الصعلوك تقتل بأخي كليب ،فرد عليه جبير أنا لست صعلوكاً يا سالم أنا جبير بن الحارث بن عباد ، فقال له الزير من خالك يا غلام؟ -يريد بسؤاله أن يقول له أنك ابن الحارث بالتبني وليس من صُلبه - فلم يرد عليه جبير فقام الزير بإشهار سيفه يريد قتله فأوقفه امرؤ القيس بن أبان وهو يقول لا تقتله يا سالم إني أرى أمامي غلاماً إذا قُتل ليُقتلن به رجلاً لا يُسأل من خاله ولكن الزير دفع امرؤ القيس وقتل جبير وهو يقول أقتلك بشِسْع نعل كليب وغرس سيفه فى صدر جبير فوقع صريعاً على الفور ، 
وعندما وصلت جثته إلى الحارث وعلم أن الزير قتل ابنه بشسع نعل كليب أقسم ألا يرفع يده عن تغلب حتى تكلمه الأرض وأنشد في رثائه قصيدته التي أُشتهر منها أربعين بيت "قربا مربط النعامة مني "

ومن هنا وبعد اعتزال الحارث هذه الحرب كل تلك السنين أُجبر أن يدخلها وتحالف معه بنو مرة ورجحت كفتهم بعد دخول الحارث ساحة القتال ومُزقت تغلب كل مُمَزَق ولم يتبق منهم إلا القليل من الرجال والنساء ، وكُسر ظهر الزير سالم على يد الحارث بن عباد وبهذا انتهت حرب البسوس التي امددت أربعين عاماً ، بعدها عُقدت معاهدة صلح بين تغلب وبكر وظلا هكذا دون حرب .

مقتل الزير 

كُسِرَ ظهر الزير وكان يمشي يتوكأ على عصا بعد أن عاش فارساً شديد البأس ، فقام ابن أخيه الجرو بتكليف اثنين من العبيد بمرافقته وقضاء حوائجه فى خلوته بجوار قبر كليب ولكن أصاب العبدين الملل منه فاتفقا أن يقتلوه ويبلغوا الجرو أن الزير لدغته أفعى فمات على إثرها ، فأحس سالم الزير بما عزما عليه العبدين فقال لهما قبل أن تقتُلاني أبلغا أهلي هذا البيت " من مُبلغ الحَيين أن مهلهلاً ..لله دركما ودر أبيكما
بعدها قام أحدهما وطعنه بخنجر مات على غراره ، وذهبا إلى الملك الجرو يخبرانه أن الزير مات بسم أفعى وهو ينشد هذا البيت   
" من مُبلغ الحيين أن مهلهلاً ..لله دركما ودر أبيكما
فلم يفهم الجرو معناً واضحاً للبيت وتعجب لأن الزير كان شاعراً عظيماً لا يقول مثل هذا الكلام الخاوي ، وبينما هو حائراً إذ قامت أخته اليمامة بروعة جنانها وفصاحة شاعرة تُنشد :-
" من مُبلغ الحيين أن مهلهلاً **أضحى قتيلاً فى الفلاة مُجندلا 
لله دركما ودر أبيكما **لا يبرح العبدان حتى يُقتلا "
فقال الجرو الزير لا يقول الشعر الركيك الذي قُلتماه وأمر بالقبض عليهما وقتلهما .

 وهنا تنتهي أحداث حرب البسوس ،
بعدها كانت تتجهز قبائل العرب وتتحالف لمواجهة جيش أبرهة الأشرم الحبشي الذي جاء بجيشه ليهدم الكعبة في الواقعة الشهيرة بواقعة الفيل ،
 وهو نفس العام الذي وُلد فيه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -.

اقرأ في : قصة هاروت وماروت وتعليم السحر
Reactions:
author-img
Muhamed Amin

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent